( الوقفة الخامسة والعشرون ) : هذه الأحوال الصعبة من لها؟

وقفـاتكثيراً من الذين يعيشون في رغد من العيش ، لا يستشعرون أو ينسون الفقر والفقراء المحتاجين من حولهم ، خصوصاً إذا كان هؤلاء الفقراء من الذين قال عنهم الله عز وجل : (لا يسألون الناس إلحافاً) [البقرة:273].

والذي دعاني لأكتب عن هذا الموضوع ، أنه في أحد الأيام ، زارني رجل كبير السن أعرفه ، من حمائم المسجد وأتذكر أن حالته فقيرة ، وأحواله صعبة ، وله أبناء وبنات ، إحدى بناته قد توفي زوجها عن عشرة أبناء منها ، فهو يتحمل جزءاً من أعبائهم ، وله أبن فقير يستنجد بهذا الأب بعد الله ، لمساعدته في الصرف على أبنائه . وعلمت أن ما جاء به إلا الحاجة لأنه سبق أن أطلعني على ذلك .



وبعد أن تجاذبنا أجراف الحديث ، سألته عن أحواله فصمت قليلاً ، ثم ردت علي دموعه!!

يا إلهي كم قصرت في حقه ، حيث أعلم بحاله ولم أتابعه؟! وحقيقة أنسانيه الشيطان ومشاغل الحياة . نعم كأي إنسان ميسور الحال ينسيه ما هو فيه من النعم ، أحوال أمثال هؤلاء ، - لذا نحمد الله على أن أكرمنا بشهر الصوم ، وسن لنا صيام التطوع ، الذي من حكمته تذكر الفقراء والمساكين – ثم أخبرني أنه لا يوجد في منزله إلا كيس أرز واحد ، من أحد المحسنين ، وقريباً ينفذ!.

ترى أما آن لكبير السن هذا أن يرتاح؟!!



وهذا زميل يحدثني أنه أقبل على أحد المساجد ليصلي فوجد أمام المسجد طفلين أوقفاه وقالا له: (نريد مبلغاً من المال لشراء سماعات أذنين لوالدنا ، لأنه لا يستطيع السماع إلا بواسطتهما) يقول : فدهشت لهذا الخبر! ما بين مصدق ومكذب. فأردت أن أتحقق من صدقهما فقلت لهما: بعد ما نفرغ من الصلاة أعطيكما المبلغ. وبعد ما فرغت من الصلاة وجدتهما في انتظاري ، فأردت أن أعرف أكثر من أحوالهما فقلت لهما : أين والدكما أريد مقابلته؟ فأخبراني أنه في المنزل . فاصطحبتهما للمنزل الذي يقع في أحد الأحياء الشعبية وقابلت والدهما فوجدته كبير السن ، فاقد السمع ، فسألتهما عن أحوالهم فأخبراني أنهم في هذا المنزل الشعبي بأجرة لا يستطيعون سدادها ، وأحوالهما جداً صعبة . ومن ذلك أنهم ما زالوا يغسلون ملابسهم بأيديهم حيث لم تصل إليهم الغسالة بعد.



وزميل أخر في رمضان الماضي ، تتصل به عجوز أرملة ، كانت جارة له ، في حيهم القديم سابقاً ، تطلب منه المساعدة لأحوالها الصعبة. يقول : أخذت زوجتي ، وذهبت لمنزلها ، لأتأكد بنفسي ، وبعد أن سألتها عن أحوالهم، بكت وقالت لا نجد شيئاً. فطلبت منها أن أرى ذلك بنفسي ، لتكون حجتي عند المحسنين أقوى ، عندما أذكر لهم ذلك ، فوافقت وهي ما زالت تبكي. فدخلت ولم أجد شيئاً يذكر إلا ثلاجة فارغة ! فانهمرت الدموع من عيني.



وبعد هذه النماذج الحية ، التي تحرك قلوب وضمائر المحسنين ، هل ننتظر هؤلاء المتعففين أن يبوحوا لنا عن أحوالهم الصعبة ، ويهتكوا ستر حيائهم ؟! أم الواجب علينا أن نفتش عنهم ونمد لهم يد العون؟ وما أفضل السبل لذلك ؟ هذه الأسئلة أترك إجابتها للمحسنين ، ولك أخي القارىْء.

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 929 | تأريخ النشر : الأحد 18 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 12 أبريل 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة
( الوقفة الخامسة والعشرون ) : هذه الأحوال الصعبة من لها؟ كثيرا من الذين يعيشون في رغد من العيش ، لا يستشعرون أو ينسون الفقر والفقراء المحتاجين من حولهم ، خصوصا إذا كان هؤلاء الفقراء من الذين قال عنهم الله عز وجل : (لا يسألون الناس إلحافا) [البقرة:273]. والذي دعاني لأكتب عن هذا الموضوع ، أنه في أحد الأيام ، زارني رجل كبير السن أعرفه ، من حمائم المسجد وأتذكر أن حالته فقيرة ، وأحواله صعبة ، وله أبناء وبنات ، إحدى بناته قد توفي زوجها عن عشرة أبناء منها ، فهو يتحمل جزءا من أعبائهم ، وله أبن فقير يستنجد بهذا الأب بعد الله ، لمساعدته في الصرف على أبنائه . وعلمت أن ما جاء به إلا الحاجة لأنه سبق أن أطلعني على ذلك . وبعد أن تجاذبنا أجراف الحديث ، سألته عن أحواله فصمت قليلا ، ثم ردت علي دموعه!! يا إلهي كم قصرت في حقه ، حيث أعلم بحاله ولم أتابعه؟! وحقيقة أنسانيه الشيطان ومشاغل الحياة . نعم كأي إنسان ميسور الحال ينسيه ما هو فيه من النعم ، أحوال أمثال هؤلاء ، - لذا نحمد الله على أن أكرمنا بشهر الصوم ، وسن لنا صيام التطوع ، الذي من حكمته تذكر الفقراء والمساكين – ثم أخبرني أنه لا يوجد في منزله إلا كيس أرز واحد ، من أحد المحسنين ، وقريبا ينفذ!. ترى أما آن لكبير السن هذا أن يرتاح؟!! وهذا زميل يحدثني أنه أقبل على أحد المساجد ليصلي فوجد أمام المسجد طفلين أوقفاه وقالا له: (نريد مبلغا من المال لشراء سماعات أذنين لوالدنا ، لأنه لا يستطيع السماع إلا بواسطتهما) يقول : فدهشت لهذا الخبر! ما بين مصدق ومكذب. فأردت أن أتحقق من صدقهما فقلت لهما: بعد ما نفرغ من الصلاة أعطيكما المبلغ. وبعد ما فرغت من الصلاة وجدتهما في انتظاري ، فأردت أن أعرف أكثر من أحوالهما فقلت لهما : أين والدكما أريد مقابلته؟ فأخبراني أنه في المنزل . فاصطحبتهما للمنزل الذي يقع في أحد الأحياء الشعبية وقابلت والدهما فوجدته كبير السن ، فاقد السمع ، فسألتهما عن أحوالهم فأخبراني أنهم في هذا المنزل الشعبي بأجرة لا يستطيعون سدادها ، وأحوالهما جدا صعبة . ومن ذلك أنهم ما زالوا يغسلون ملابسهم بأيديهم حيث لم تصل إليهم الغسالة بعد. وزميل أخر في رمضان الماضي ، تتصل به عجوز أرملة ، كانت جارة له ، في حيهم القديم سابقا ، تطلب منه المساعدة لأحوالها الصعبة. يقول : أخذت زوجتي ، وذهبت لمنزلها ، لأتأكد بنفسي ، وبعد أن سألتها عن أحوالهم، بكت وقالت لا نجد شيئا. فطلبت منها أن أرى ذلك بنفسي ، لتكون حجتي عند المحسنين أقوى ، عندما أذكر لهم ذلك ، فوافقت وهي ما زالت تبكي. فدخلت ولم أجد شيئا يذكر إلا ثلاجة فارغة ! فانهمرت الدموع من عيني. وبعد هذه النماذج الحية ، التي تحرك قلوب وضمائر المحسنين ، هل ننتظر هؤلاء المتعففين أن يبوحوا لنا عن أحوالهم الصعبة ، ويهتكوا ستر حيائهم ؟! أم الواجب علينا أن نفتش عنهم ونمد لهم يد العون؟ وما أفضل السبل لذلك ؟ هذه الأسئلة أترك إجابتها للمحسنين ، ولك أخي القارىء.

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع