( الوقفة الثالثة ) : حقيقة المراهقة

وقفـاتإن أساس علاج الأشياء يكمن أولاً بالتصور الصحيح لحقيقتها ، وجوانب الضعف فيها، والتي من شأن المؤثرات أن تدخل عن طريقها ، فتتسبب في الإخلال بها. فإن نحن علمنا حقيقة الشيء ، وجوانب ضعفه، استطعنا بالتلي علاجه ، بالوقاية وتحقيق الفائدة المرجوه له بمعطيات تساهم في تحقيق هذه المصلحة .

ومن هذا المفهوم ، ننطلق في تصحيح ما رسخ في أذهان كثير من الناس ، من تصور خاطىء عما يسمونه سن المراهقة ، والتي عرفت بأنها فترة زمنية يمر بها كل إنسان ، فتسبب له حالة من الاضطراب ، ويشعر خلال هذه الفترة بالإرهاق ، والذي قد يمتد – أي الإرهاق – إلى من حوله من الأقارب ، كمشاركة لمعاناته ، أو أثر تصرفات سلوكية سيئة قد تصدر منه. وتختلف هذه الفترة من شخص لأخر من ناحية المدة ، تسمى كما ذكرت بسن المراهقة.



وهنا يسأل سائل : عن ما وجه الخلاف في ذلك؟ وما التصور الصحيح لهذه المسألة ؟ وهل يمكن تسميتها بغير هذا المسمى؟



وللإجابة عن هذه التساؤلات ، أقول وبالله التوفيق إن وجه الخلاف ، ومكمن الخلل في ذلك أنهم – أي الذين يسمون هذه الفترة بسن المراهقة – في الغالب يعللون تلك الظاهرة ، من اضطراب ، وإرهاق وسلوك غير سوي ، بهذه الفترة الزمنية التي يمر بها كل إنسان. بل خير شاهد على ذلك أن كثيراً ممن هم في هذا السن، يعللون ارتكابهم للإثم ، أنهم في سن المراهقة. كما أنها تشمل بإسمها هذا كل من يمر بها، سواء كان خلالها صالحاً أو طالحاً !



أما حقيقة الأمر في هذه المسألة ، فهي : كما هو معلوم ، أن طفولة الإنسان تعتبر المرحلة الأولى التي يكون وضعه فيها متلقياً بنسبة 100% تقريباً ، استعداداً لبناء شخصه المستقبلي تحت تأثير العالم من حوله ، ممثلاً بوالديه، وجهات التعليم ، ووسائل الإعلام ، أو من يحتك بهم في شئون حياته بصفة عامة ، ولقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أثر ذلك على توجه المولود المستقبلي بقوله : ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)) ثم ينتقل بعدها للمرحلة الثاننية ، كنمو طبعي لكيانه الجسدي والفكري ، وهي مرحلة البلوغ ، ليبدأ فيها الإنسان محاولة التفرد بشخصه ، المبني على المؤثرات السابقة ، بمحاولة التطبيق الجاد بطاقته الوقادة نحو الهدف المرسوم في مخيلته ، إضافته إلى تفاعله مع المتغيرات النفسية ، والجسدية المستجدة في هذا العمر.



فإن كان خلال هذه الفترة خاضعاً لتسلسل تربوي صحيح يهذب هذه المتغيرات بالطرق المشروعة ، كالزواج ، أو الصيام ، واستشعار المراقبة الإلهاية ، والأهداف الصحيحة التي يستنفذ خلالها هذه الطاقة بالاستقامة، والدعوة ، وحفظ كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وصلة الأرحام ، وطلب العلم ، والسعي للحصول على مركز ينفع به أمته ، فإنه بذلك لن يجد الاضطراب النفسي ، والإرهاق ، لأن طاقته وجدت مسارها الطبعي ، الذي يستنفذها، ويلمس ثمارها الحالية ، والمستقبلية ، وخير شاهد على ذلك ، ماكان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ممن هم تربوا على يده وكانوا أحداثاً في السن ، لم يسلكوا سلوكاً مشيناً ، ولم ينحرفوا عن طريق الهداية ، ولم يشعروا بالإرهاق ، بل كانوا على طموح عال في طلب العلم ، واجتهاد ، وتفان في خدمة دينهم ، حتى كان من بينهم قيادات للجيوش أمثال أسامة بن زيد رضي الله عنه.



أما إذا كان الإنسان منذ نشأته ، تحت وطأة مؤثرات تحرف فطرته ، وسلوكه ، فتتكون لديه قدوات زائفة ، وطموحات بليدة ، ويعيش في تصادم مع فطرته ، وتضارب في الأقوال والأفعال ، فإنه لا شك سيكون طوال حياته في اضطراب وإرهاق حتى في شيخوخته ، كما يسمونها مراهقة متأخرة ، وليس فقط خلال الفترة التي يسمونها بسن المراهقة.



والله الهادي إلى سواء السبيل.

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 881 | تأريخ النشر : الأحد 18 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 12 أبريل 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع