( الوقفة الثامنة والعشرون ) : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات

وقفـاتقد ينمو إلى مخيلة بعض من الناس ، أن دين الله الإسلام ، مرتبط ظهوره ببعض الأشخاص ، ذوي النشاط المميز ، سواء العالمي منه ، أو الدعوي. فيفاجأ بأن هذه الشخصية أو تلك ، قد ابتعدت من قريب أو بعيد عن نصرتها لهذا المنهج. مثلاً عن المنبر كالداعية أو الخطيب ، وعن الكتابة كالصحفي ، أو عن التأليف كالعالم أو المفكر ، وعن الجهاد كالقائد أو المجاهد. وهذا تصور خاطىء! ولو أن الأمر كذلك لقلنا على هذا الدين السلام ، منذ زمن ، بسبب الأزمات التي مرت به عبر العصور ، من جفوة بعض أهله ، وقد يكونون هم رواد زمانهم.





إنما الأمر قد فصل فيه رب الأرض والسموات بقوله عز وجل: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[الصف:8] ، إذا إتمام هذا النور ليس مقيداً بشخصيات ، ولو ظهر منها ما ظهر من النصرة ، وإنما هي لا تعدو أن تكون أسبابا مؤدية لما كتبه الله ، وأراده من النصر. ويعتبر ذلك النصر ، المجري على يد أي شخصية كانت ، إنما هو تفضل من العزيز الحميد ، أن جعله في صف الحق ، ومن أسباب نصره وإلا فهو لا يملك لنفسه من الأمر شيئاً.



وسبحان الله ، لو تمعنا كيف كانت بداية مسيرة هذا الدين العظيم ، ومن هم أتباعه ، لوجدنا هذه الحقيقة ، جالية واضحة ، متمثلة في أتباع هذا الدين العظيم ، في بداية أمره ، والذي يحتاج فيها للنصرة وأسباب القوة ، وهم في الغالب ضعفاء الناس ، بل الاماء منهم ، الذين لا يملكون زمام أمورهم. والذين عير الجهلاء الأقوياء بهم الدعوة ، بل إنهم رفضوا مناصرتها احتقاراً لهم. فقد إشترط صناديد قريش من الأشراف ، إن هم قبلوا ذلك ألا يقترنوا معهم في مجالسهم . فأتي الفصل في ذلك ممن يملك العزة ، والقوة وحده لا شريك له ، بقوله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف: 28]







بل أكثر من ذلك ، بأن عاتب نبيه ، حينما انشغل عن الأعمى الضعيف ، الذي جاءه يريد الإسلام ، ببعض الأشراف ، رجاء أن يسلموا ، فعبس في وجهه فأنزل الله قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) [عبس: 1 – 7] إذا نصرة هذا الدين ، ليست متعلقة باشخاص ، بل إن نصرة الاشخاص ، وعزهم متعلق بمقدار قربهم ، وبعدهم ، وتوجههم ، وعملهم لهذا الدين .



والذي أريد أن أختم به هو أن لا نتحسر على من ترك جادة الإسلام ، أو التدين ، خشية ضعف مسيرة هذا الدين ، أو توقفه ، بل إن كان هناك تحسر ، فهو على مصير هؤلاء ، الذين ارتضوا طريقاً أخر غير هذا الطريق.



كما أننا لا نربط ، بأي حال من الأحوال ، توجهنا بتوجه أحد منهم ، بحيث إن أمسك بهذا الدين أمسكنا ، وإن ترك تركنا ، بل نربط إلتزامنا بإلهنا العظيم. ولن يكون الخسران ، إلا في ميدان من نكس على عقبه ، أياً كان شخصه ، وقوته ، قال تعلى : (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1- 3]. فلينتبه كل ذي لب لذلك . (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40].

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 914 | تأريخ النشر : الأحد 18 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 12 أبريل 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة
( الوقفة الثامنة والعشرون ) : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات قد ينمو إلى مخيلة بعض من الناس ، أن دين الله الإسلام ، مرتبط ظهوره ببعض الأشخاص ، ذوي النشاط المميز ، سواء العالمي منه ، أو الدعوي. فيفاجأ بأن هذه الشخصية أو تلك ، قد ابتعدت من قريب أو بعيد عن نصرتها لهذا المنهج. مثلا عن المنبر كالداعية أو الخطيب ، وعن الكتابة كالصحفي ، أو عن التأليف كالعالم أو المفكر ، وعن الجهاد كالقائد أو المجاهد. وهذا تصور خاطىء! ولو أن الأمر كذلك لقلنا على هذا الدين السلام ، منذ زمن ، بسبب الأزمات التي مرت به عبر العصور ، من جفوة بعض أهله ، وقد يكونون هم رواد زمانهم. إنما الأمر قد فصل فيه رب الأرض والسموات بقوله عز وجل: (والله متم نوره ولو كره الكافرون)[الصف:8] ، إذا إتمام هذا النور ليس مقيدا بشخصيات ، ولو ظهر منها ما ظهر من النصرة ، وإنما هي لا تعدو أن تكون أسبابا مؤدية لما كتبه الله ، وأراده من النصر. ويعتبر ذلك النصر ، المجري على يد أي شخصية كانت ، إنما هو تفضل من العزيز الحميد ، أن جعله في صف الحق ، ومن أسباب نصره وإلا فهو لا يملك لنفسه من الأمر شيئا. وسبحان الله ، لو تمعنا كيف كانت بداية مسيرة هذا الدين العظيم ، ومن هم أتباعه ، لوجدنا هذه الحقيقة ، جالية واضحة ، متمثلة في أتباع هذا الدين العظيم ، في بداية أمره ، والذي يحتاج فيها للنصرة وأسباب القوة ، وهم في الغالب ضعفاء الناس ، بل الاماء منهم ، الذين لا يملكون زمام أمورهم. والذين عير الجهلاء الأقوياء بهم الدعوة ، بل إنهم رفضوا مناصرتها احتقارا لهم. فقد إشترط صناديد قريش من الأشراف ، إن هم قبلوا ذلك ألا يقترنوا معهم في مجالسهم . فأتي الفصل في ذلك ممن يملك العزة ، والقوة وحده لا شريك له ، بقوله : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) [الكهف: 28] بل أكثر من ذلك ، بأن عاتب نبيه ، حينما انشغل عن الأعمى الضعيف ، الذي جاءه يريد الإسلام ، ببعض الأشراف ، رجاء أن يسلموا ، فعبس في وجهه فأنزل الله قوله : (عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى) [عبس: 1 – 7] إذا نصرة هذا الدين ، ليست متعلقة باشخاص ، بل إن نصرة الاشخاص ، وعزهم متعلق بمقدار قربهم ، وبعدهم ، وتوجههم ، وعملهم لهذا الدين . والذي أريد أن أختم به هو أن لا نتحسر على من ترك جادة الإسلام ، أو التدين ، خشية ضعف مسيرة هذا الدين ، أو توقفه ، بل إن كان هناك تحسر ، فهو على مصير هؤلاء ، الذين ارتضوا طريقا أخر غير هذا الطريق. كما أننا لا نربط ، بأي حال من الأحوال ، توجهنا بتوجه أحد منهم ، بحيث إن أمسك بهذا الدين أمسكنا ، وإن ترك تركنا ، بل نربط إلتزامنا بإلهنا العظيم. ولن يكون الخسران ، إلا في ميدان من نكس على عقبه ، أيا كان شخصه ، وقوته ، قال تعلى : (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصر:1- 3]. فلينتبه كل ذي لب لذلك . (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) [الحج:40].

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع