إداريون تحت خط الفشل

وقفـات ما زلت أعتقد أن حسن الإدارة موهبة من الله لا يكفي للحصول عليها فقط بالتدريب أو الممارسة أو صفة الأمانة أو الحزم كما يعتقد الكثير فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمكّن أحد الصحابة من الإمارة حين طلبها مع أنه يحمل صفة الشجاعة والتقوى والأمانة؛ لكنها لا تصلح له ولا يصلح لها رضي الله عنه، والشواهد على ذلك من واقعنا الإداري الذي نعيشه كثيرة ، والنماذج الفاشلة من الإداريين تعج بهم كثير من الإدارات ، وويلات فشلهم تكتوي منها المنشآت وموظفيها ، وكم أتمنى أن يؤلف مصنفًا في «الإداريون الفاشلون» كما ألف الجاحظ مجلدًا في البخلاء، ولعل بادرة هذا الكتاب تنطلق من مقالتي هذه حيث سألقي الضوء على هؤلاء الفاشلين بذكر بعض النماذج منهم:

الإداري العنصري: هو ذاك الإداري الذي يستغل وجوده في المنشأة لتقريب معارفه و أرحامه بتوظيفهم وترقيتهم وإبعاد من سواهم من الناس وإن كانوا أكفأ ، فليس لديه معيار وظيفي غير القرابة والصداقة ، فينشئ في دائرته مبدأ التعنصر ليعتز ناس ويذل آخرين، وتحت هذا الظلم ينشئ في نفوس موظفيه العداوة والبغضاء.

الإداري النفعي : وهذا النوع من الإداريين هو من يحاول بقصارى جهده تجييش الإدارة كلها لتحقيق منفعته ، فهو يريد أن يؤدى العمل على أكمل وجه ويريد أن يجتهد الموظفون في إنتاجيتهم ليظهر هو فقط أمام المسؤولين الكبار أنه إداري ناجح ، لذا فهو لا يبالي بموظفيه ولا بنفسياتهم فلا يحقق طموحاتهم الإدارية من زيادات أو ترقيات ولا يدعم أفكارهم ما لم تصب في مصلحته بل ربما يضيق إذا ابتكر أحد موظفيه في عمله ابتكارًا جديدًا وهو غائب في إجازة؛ لأنه سيفوت عليه الاستفادة الكاملة منه، ومن ذلك رفع هذا الابتكار باسمه لتحتسب نقاط له أمام مسؤوليه ، وحينما ينجز أحد موظفيه عملاً يستحق عليه الشكر فإنه لا يتورع من تهميش صاحبه ويرفع العمل على أنه له دون أمانة أو حياء ، أما خطاب الشكر لموظفيه فهو أثقل عليه من الجبال؛ لأنه لا يصب في مصلحته الشخصية ويخشى أن يتخذه الموظف حجة للمطالبة بزيادة أو ترقية.

الإداري التملكي: هو من يشعر أن المنشأة وما تحويه ملكه فمثلا حينما تكون محظورة الدخول على غير موظفيها يقوم هو بدعوة أقاربه لزيارته فيها ويقيم لهم الولائم وينقلهم بسيارات المنشأة في حين لو يجد أن أحد الموظفين يفعل ذلك فإنه لا يتورع أن يوبخه أمام الجميع بكل صفاقة محتجاً بأنه خالف النظام ، كذلك يستمتع بكافة الخدمات التي تقدمها المنشأة مستأثرًا بها لنفسه دون غيره ، ولو فتشت مكتبه لوجدته مليئًا بالهدايا والتقاويم والأقلام.

الإداري المتعالي : هو ذك الذي حينما يراك يرمقك من رأسك إلى أخمص قدميك بنظرة تذكرك بالتفتيش المدرسي الصباحي ، نظرة دونية كلها احتقار يعبر من خلالها أنه كبير وأنت صغير ، أنه سليل مجد وأنت حقير ، أما تعامله مع موظفيه فإن أقربهم إليه أقربهم خدمة له ، لذلك يتسابق الموظفون للقيام بمصالحه الشخصية ، بتحضير وجبته وقهوته وشاي الصباح ، وبالجلوس معه ومحادثته ومضاحكته ، والبعيد عن مجلسه بعيد عن قلبه ، ومن صفاته الفذة أنه حينما يعود من الإجازة فإنه لا يكلف نفسه بالمجيء للموظفين للسلام عليهم ، بل يجب أن يجلس في مكتبه والجميع يأتي للسلام عليه ، ومن لا يأتي ففي النفس عليه شيء.

الإداري التقشفي : همه بالدرجة الأولى التقليص في المصروفات وإن أثر ذلك في سير العمل كل ذلك ليظهر أمام مسؤوليه أنه قلص وغير وحقق ما لم يحققه سلفه وإن أدى ذلك تقليص عدد الموظفين وبالتالي زيادة الضغط على الآخرين ، كذلك يحرص على تقليص الترقيات حتى لا يحمل الدائرة زيادة في المصاريف ، لذلك لا تستغرب حينما تجد أن موظفي إدارته من أقل موظفي الإدارات في الدرجات الوظيفية ، وأذكر في إحدى الإدارات بعد عمل حسبة بسيطة (بقسمة عدد الموظفين على عدد من حصلوا على ترقية في سنة) تبين أن آخر مجموعة ستنال ترقية لن يصلها الدور إلا بعد 21 عامًا.

هذه بعض النماذج أوردها على عجالة ، وأنا على ثقة أن لدى القارئ من النماذج الشيء الكثير ، لكن أحب أن أذكر بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) فكذلك الإداري مسؤول أمام الله عن موظفيه إن قصر في حقهم أو تعالى عليهم أو فضل بعضهم على بعض بغير وجه حق ، وليتذكر أن حاجته في الآخرة أشد من حاجته في الدنيا فلا يوسع على نفسه في الدنيا بظلم الآخرين فيضيقوا عليه في الآخرة بكثرة مطالبتهم له. | عدد القراء : 1816 | تأريخ النشر : الجمعة 2 شعبان 1430هـ الموافق 24 يوليو 2009مسيحية
طبعت هذه المقالة من ( وقفات حرة مدونة عثمان بن ناصر السعيد )
على الرابط التالي
http://www.ons4.net/article.php?a=51
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع